عبد الملك الجويني

24

نهاية المطلب في دراية المذهب

وهذا يتعلق بمسألة في الأصول ، لا ينتظم ذكرها هاهنا . 2288 - ولو طلع الفجرُ فاستدام ، ولم ينزع ، فلا شك في فساد الصوم ، وأوجب الشافعيُّ الكفارة . واختلف الأئمةُ في أنا نحكم بانعقاد الصوم ، ثم نحكم بعده بالإفساد ، أم نحكم بأن الصوم لم ينعقد . فالذي ذهب إليه معظم الأئمة في المذهب أن الصوم لم ينعقد ، وسبب وجوب الكفارة منعُ عقد الصوم بالجماع ، والمنع في معنى القطع . وذهب شرذمة إلى أنا نحكم بالانعقاد ، ثم نقضي بالفساد . والذي تخيله هؤلاء أنه لو نزع ، لانعقد صومه ، فنفرض الانعقاد في مثل زمان ابتداء النزع ، ثم نحكم بالفساد . وهذا خيالٌ ؛ فإن النزع ، لم ينافِ الصومَ ، من جهة قصد الترك ، فإذا لم يكن قصدٌ في الترك ، وجملة الأحوال جاريةٌ على قصد إيقاع الوقاع وإدامته ، فتقديرُ موجَب قصد الترك ، مع عدمه ، محالٌ . ولو خالط الرجل أهله ، ثم لبّى ، وأحرم ، وقرن تلبيته بالنزع ، كما سبق تصويره في الصوم ، ففي انعقاد الحج على الصحة وجهان : أحدهما - الصحة ، قياساً على الصوم . والثاني - لا ينعقد الحج صحيحاً ؛ من جهة أنه كان قادراً على أن ينكف عن التمام ، ثم يبتدئ الإحرام ، فلا يثبت له التخفيف المنوط بقصد الترك ، وليس كذلك الصائم ؛ فإنه في ابتداء مخالطته معذور ، ولما ابتدأ الانكفافَ ، كان معذوراً في انكفافه ، مأموراً به ، فعُذر ، وإن كان على صورة المخالطين إلى تمام النزع . وكل ما ذكرناه مفروضٌ فيه إذا جامع ، وكان يُطالع الفجرَ ، فجرى الأمرُ على بصيرةٍ منه ، نزعاً وإدامة . 2289 - ثم وراء ذلك نظرٌ [ للفطن ] ( 1 ) ، فإن أول الفجر ما أراه مدركاً بالحس ، وإذا لاح للمراقب ، فالطلوع الحقيقي متقدِّمٌ عليه .

--> ( 1 ) في الأصل : الفطن .